محمد عبد الله دراز
317
دستور الأخلاق في القرآن
نستطيع أيضا ، وبكلّ حرية ، أن نختار ، دون إكراه ، أو اضطرار ؟ . ولكي نزيد الأمر تحديدا : فإنّ الأمر يتصل بمعرفة ما إذا ما كنّا ، ونحن نختار الشّر في ظروف ترجح جانبه - نستطيع أن نختار الخير ( والعكس ) . وفي كلمة واحدة : هل نحن حقا - تبعا للخيار الّذي نقوم به - صناع لثوابنا ، أو شركاء في شقائنا الأخلاقي ؟ إننا لا نمضي إلى حد الادعاء بأنّ لدى جميع النّاس قوة متساوية على فعل الخير ، والشّر ، وبأنّ هذه القوة توجد عند الفرد الواحد في مختلف الظّروف . فالهبوط أيسر من الصّعود ، سواء بالمعنى المادي ، أو بالمعنى الأخلاقي . ومن الممكن أن نقول إنّ لدى الإرادة بعامة ميلا إلى متابعة الخير المحسوس ، العاجل ، أكثر من الخير الرّوحي ، أو الآجل ، ذلك أنّها قد تشعر بالكثير من الصّعوبة في أنّ تتبع أوامر العقل ، أكثر مما تجده في السّير وراء الميول الفطرية ، والعادات الموروثة ، أو المكتسبة . وربما كان أكثر دقة أن نقول : إنّ جميع الأشخاص لا يجدون نفس اللّذة بالنسبة إلى كلّ الرّذائل ، فلكلّ إنسان نقطة ضعفه الصّغيرة ، ومن هنا يقاوم بعض الغوايات بصورة أقل شدة مما يقاوم به بعضها الآخر . وكلّ ما في الأمر أننا ينبغي ألا نضخم هذه الصّعوبة ، إلى حد أن نجعل منها نوعا من الاستحالة . ولعل ليبنز [ Leibniz ] يقول لنا : « أليس قانونا شاملا أنّ كلّ قوة تعمل حيث تجد مزيدا من اليسر ، وقليلا من المقاومة ؟ . . فلما ذا تريدون أن تجعلوا من القوة الأخلاقية استثناء من القاعدة ؟ » إنّ التّفكير على هذا النّحو هو سفسطائية صارخة ، حين نضع المصطلحين